الشيخ علي المشكيني
388
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
فظهر ممّا ذكرنا أنّ انقسام العامّ إلى البدليّ والاستيعابيّ انقسام وضعيٌّ نشأ من وضع اللفظ للمعاني المختلفة ، ولذلك صارت ألفاظهما أيضاً مختلفةً . وانقسام الاستيعابيّ إلى الاستغراقيّ والمجموعيّ انقسام بلحاظ الحُكم المرتّب عليه ؛ ويشهد لذلك : اتّحاد ألفاظهما ، وجواز استعمال كلّ واحد منها في موضع الآخر . تنبيه : الفرق بين الأقسام في هذا التقسيم واضح ؛ إذ في الحكم المرتّب على العامّ البدليّ يتحقّق الامتثال بالإتيان ولو في ضمن فرد واحد ، ويحصل الغرض ، ويسقط الأمر ، بخلاف الاستيعابيّ . وأمّا الفرق بين الاستغراقيّ والمجموعيّ فهو : أنّ في الأوّل يكون الحكم متعدّداً بتعدّد الأفراد ، ولكلّ واحد منها إطاعة مستقلّة وعصيان مستقلّ ، فأيّ فرد من العلماء أكرمه المكلّف في المثال السابق استحقّ ثوابه ، وأيّ فرد لم يكرمه استحقّ عقابه ؛ ولا ارتباط بينهما . وفي الثاني يكون الحكم واحداً ، بحيث لو أكرم الجميع حصل امتثال واحد ، ولو ترك إكرام واحد حصل عصيان الأمر بالكلّيّة . ومنها : تقسيمه إلى العامّ الأفرادي والعامّ الأزمانيّ . « 1 » فالأوّل : عبارة عن شمول المفهوم وسريانه بحسب الأفراد . والثاني : عبارة عن شموله وسريانه بحسب الأزمان ؛ بمعنى لحاظ استمرار المفهوم وبقاؤه في عمود الزمان . بيان المطلب : أنّ تعلّق حكم شرعي بفعل من الأفعال من حيث أخذ الزمان قيداً للحكم أو للموضوع يتصوّر على أقسام أربعة : الأوّل : أن لا يلاحظ الزمان أصلًا - لا في طرف الحكم ولا في طرف الموضوع - بل تلاحظ طبيعة الحكم ، فتُرَتَّب على طبيعة الموضوع بلا لحاظ تقيّدهما بزمان ؛ كما إذا قال المولى : « أوجبت عليك الجلوس في المسجد » أو « صيام يوم » ، أو قال : « أعتق رقبةً » و « أكرم عالماً » ، وحُكم هذا القسم هو حصول الغرض وسقوط الأمر بإتيان مسمّى الجلوس والصيام وطبيعة العتق والإكرام .
--> ( 1 ) . انظر : نهاية الأفكار ، ج 4 ، القسم الأوّل ، ص 225 و 230 .